تكست: السنة الثانية




تكسـت – السنة الثانيـة – العـدد الواحد و العشرون – مايو/آيار 2014

لتحميــــل العدد بشكل بي دي اف

الأحد، 25 مايو، 2014

تكست - العدد الواحد و العشرون - حلم احمق - قصة قصيرة - احمد المؤذن



قصـــــــة قصـــــيرة   - حلـــــــــم أحمــــــــــق
* أحمد المــــــــؤذن

سألني صديقي عباس عن سبب توقفي . أخبرته أن نعالي المهلوكة أنقطعت من جديد ، ماذا أفعل ؟ أجدني مضطراً للذهاب معه ،  وجهتي مكب القمامة وهذه المغامرة . يقول صديقي أن في هذا المكب فرصا جيدة للكسب ، هناك أشياء كثيرة !
حديثه المشبع بالمزيد من التفاصيل جعلني أتقد حماساً ، أصلحت النعال ثم واصلت السير وأنا أحلم بتلك الأشياء التي رسمها لي في مخيلتي .. أسلاك نحاسية ، ملابس مستعملة ، كراسي حديدية ، دفاتر ومجلات أجنبية ملونة تتزاحم فيها صور الحسناوات !  أي شيء يمكن أن يكون ملقى هناك ، حيث شاحنات البلدية لا تتوقف عن العمل وهي تنقل أطناناً من القمامة .
أخبرني أيضاً بأنه في الأسبوع الماضي ، كسب ثلاثة دنانير من آخر زيارة ، هي بعض الحاجيات التي تصلح للبيع ، ترميها الناس ، فتكون لنا رزقاً نحن ابناء الشقاء المطحونين ! هه أخبرتكم في بداية القصة بأنني مضطر ولكن ..
رغم تعب المسافة وبعدها ، نمشي تحت لظى هذه الشمس الصيفية الضارية ، سنواصل ونصبر ، لو يكسب المرء ديناراً أكثر أو أقل فالتعب أمره يهون . سأشتري نعالا جديدة وآكل طبق خضراوات بالدجاج وقد أشتري فانيله بلوني المفضل . أحب اللون الأخضر وأحب الحياة وكم أستعجل مرور الوقت ، يكون ثقيلا ً حينما تبدأ حصة التربية الإسلامية . ذاك المعلم العربي ، ما ترك شيئاً في هذه الدنيا إلا وطوقه بالطبشور الأحمر بين هلالين ( حررررررام ) ؟!! حتى شعرت أن الرجل بصدد ابتداع مذهب إسلامي غارق في تشدده وظلاميته ، مذهب يتناسب ومقاييسه الفكرية المتطرفة ولحيته التي تزداد طولا ً ، فتقلق نفوسنا أكثر .
فليذهب وشأنه .. بالنسبة لي ، أريد الحصول على أشياء كثيرة يحلم بها فتى مثلي . جهاز   (هِتفون) مع شريط كاسيت للفنان عبد الحليم حافظ ، أتمشى حتى الشاطىء وأحلق عالياً تحملني نشوة النغم وأيضاً ..
أيقظني من حلمي وهو يهتف ( وحيد ) !  حدقت حيث تشير يده وإذ بها سيارة البلدية هنا في المكان حيث وصلنا ، كانت تفرغ حمولتها النتنة ، وكان محرك الديزل يهدر صاخباً . الحمولة القذرة تفترش أرض المكب ، تعاجلها قبائل الذباب والصراصير وتحوم حولها طيور النورس التي تخلت عن زرقة البحر وجاءت تقتات القمامة !  اللعنة .. صرصار تسلل إلى داخل سروالي ، رقصت خائفاً بينما عباس هجم على كومة الأوساخ يسبقني باحثاً عن غنائمه . سائق سيارة البلدية كان يرمقنا في نظرة أسف وتقزز ، نصحني صديقي أن لا أكترث به أو يساورني أيما إحراج فالرزق يحتاج خفة الحركة .
حسناً ها أنا ذا أبحث هنا عن يساري وقليلا ً عن يميني ، أين هي تلك الأشياء التي تكلم عنها ؟ حطام أخشاب وأنقاض بناء ، عبوات بلاستيكية ، إطارات سيارات ، زجاجات ويسكي فارغة مصدرة من وراء البحار ، حفاظات أطفال مملوءة بالــ .. تغزو الرائحة أنفي يستفز احشائي وأكاد اتقيأ . لاشيء هنا يستحق العناء آه ه ه ه ه ، حرارة الشمس لا ترحم وصديقي عباس يحدق الى هذه الفوضى الوسخة بعينين غبيتين وابتسامة بلهـــــاء ، بالرغم من أنه مثلي لم يجد شيئا! وها كلانا صيد سهل لهذا الشواء الصيفي ، الحرارة تكاد تقتلني هكذا بلا طائل .  أطلب منه ان نغادر المكان ولا يرد عليّ ، ولما زاد إلحاحي صاح في وجهي ينهرني ، يستمر في نبش القمامة مثل المجنون .
أوف .. هذه بقرة لكنها لا ( تسر الناظرين )  بما فيهم هذا الهندي أخذ مسافة قريبة منها وهو يحدق غاضباً (يبربر ) في لغته كلاماً لا أفقه منه شيئا ، ثم أنحنى على ركبتيه دامع العينين . كانت منتفخة والدود يندلع بالالآف من بين فمها المفتوح على الموت ثم تقدمت خطوة واحدة و.. هوت الأرض من أسفل قدمي ، شيء ما سحب جسدي فجأة !
حفرة ما أدراني بعمقها وكيف وقعت فيها ؟ مرت لحظات من الخوف ، قلبي يلهث من أثر المفاجأة ، اطمئنوا فلم أصب بسوء ، أنا بخير وها صراخي كأنه في مساحة العدم ، الأرجح أن عباس لا يسمع صوتي أستغيث به وهو لا يدري بي . يا لها من ورطة ، لا فرق هنا عند غبي هو أنا ، ليتني لم ..
كيف جئت معه ؟ هرولت خلف أوهامه الملونة ، شاركته حلما أحمق كما تسلقنا سور المدرسة معاً . آه يا أمي ، ربما كسرت ساقي !  لا أعرف تماماً ماذا أفعل غير تكرار صراخي وقد بح صوتي وتكاثر يأسي .  مأزق كريه الرائحة مثل هذا المكان ، ربما أموت فيه ، فبكيت مثل أي طفل كان واثقــــاً أكثر مما يجب ، من مراهقته الورقية المبكرة !! أتمنى أن يلتفت لي ذاك الغريب إن لم يكن صديقي عباس يسمعني ، لطفك يا ربي و رحمتك  .