تكست: السنة الثانية




تكسـت – السنة الثانيـة – العـدد الواحد و العشرون – مايو/آيار 2014

لتحميــــل العدد بشكل بي دي اف

الأحد، 25 مايو، 2014

تكست - العدد الواحد و العشرون - الكتابة و الوجود – نادين غورديمير ترجمة نجاح الجبيلي



الكتابة والوجود                      نادين غورديمير
في البدء كانت الكلمة.
ترجمة: نجاح الجبيلي
كانت الكلمة مع الرب، كلمة الربّ العليا، الكلمة التي كانت هي الخلق. لكن عبر قرون الحضارة الإنسانية اتخذت معاني أخرى، دنيوية ودينية، وأصبحت مرادفة للسلطة المطلقة والهيبة والمجد وأحياناً لمعتقد خطر، كانت مسموعة في وقت الاستماع الأقصى وفي حديث التلفزيون، وكان لها موهبة الثرثرة إضافة إلى التكلم بلغات عدة. تحلق الكلمة عبر الفضاء، و تثب من الأقمار الصناعية، وهي الآن أقرب إلى السماء- التي يعتقد أنها جاءت منها- من أي وقت مضى. لكن تحولها الأهم حدث لي ولصنفي منذ وقت طويل، حين حفرت أول مرة على الألواح الطينية، أو رسمت على أوراق البردي، حين تحول شكلها من الصوت إلى المشهد، من السماع إلى القراءة كسلسلة من العلامات، ثم كمخطوطة؛ ورحلت عبر الزمن من الرق إلى مطبعة "غوتنبرغ". لأن هذه هي قصة تكوين الكاتب. القصة التي كتبت المؤلف والمؤلفة وأخرجتهما إلى الوجود.
كانت عملية مزدوجة على نحو غريب، تخلق في الوقت نفسه الكاتب وغاية الكاتب ذاتها كتحوّل في قوة الحضارة الإنسانية. كانت تكويناً عضوياً  لأنها أصل ونشوء الكائن الفرد و تحويراً في طبيعة ذلك الفرد على حدّ سواء، وخصوصاً في استكشاف التكوين العضوي وأصل ونشوء الكائن الفرد. لأننا نحن الكتاب نتطور من أجل المهمة تلك. و مثلنا مثل السجناء المحجوزين مع النمر في قصة بورخس "مخطوطة الرب" (1) الذين حاولوا أن يقرأوا من خلال شعاع من الضوء كان يسقط مرة واحدة في اليوم معنى الوجود من علامة بارزة على جلد المخلوق نقضي أعمارنا محاولين أن نفسر، من خلال الكلمة و القراءات التي اكتسبناها في المجتمعات، العالم الذي نحن جزء منه. وبهذا المعنى تكون هذه المشاركة التي تعصى على الوصف ولا سبيل للخلاص منها، هذه الكتابة هي الآن و دائماً استكشاف للذات والعالم، للفرد والوجود الجماعي.
الوجود هنا.
إن البشر كانوا دائماً يريدون أن يعرفوا السبب، وهم الحيوانات الوحيدة التي تقدّر ذاتها، وهذه القدرة السامية المعذبِّـة تباركهم أو تلعنهم. ولا يكون هذا هو السؤال الأنطولوجي العظيم، لماذا نحن هنا على الرغم من كل ذلك، الذي حاولت الأديان والفلسفات أن تجيب عليه بشكل قاطع لشعوب مختلفة وفي أزمان مختلفة، ويحاول العلم مؤقتاً أن يقدم شرحاً مدهشاً بأننا ربما سنفنى في ألفياتنا، كالديناصورات دون أن نكون قد طورنا الفهم الضروري لها ككل. ومنذ أن أصبح البشر يقدرون أنفسهم  فإنهم بحثوا أيضاً عن تفسيرات لظواهر الولادة الشائعة ، والموت ودورة الفصول، الأرض والبحر، الريح والكواكب، الشمس والقمر، الغنى والكارثة. وبوساطة الأسطورة بدأ أسلاف الكاتب، الحكواتيون الشفاهيون، يدركون هذه الأسرار ويصوغونها مستعملين عناصر الحياة اليومية – الحقيقة الجديرة بالملاحظة- وملكة الخيال- قوة التكهن بالمخفي- لخلق القصص.
يتساءل "رولان بارت" (2) :" ما هي ميزة الأسطورة؟" ويجيب :" أن تحوّل المعنى إلى شكل". الأساطير هي قصص تتوسط بهذه الطريقة بين المعلوم والمجهول. يحلل "كلود ليفي شترواس" (3) بطريقة ذكية الأسطورة كونها صنفاً بين الحكاية الخرافية والقصة البوليسية. الوجود هنا. لا نعرف من يلح بطلب ذلك، لكن بالإمكان اختراع شيء ما مقنع، إن لم يكن هو الجواب. كانت الأسطورة لغزاً إضافة إلى كونها فنتازيا. الآلهة، الحيوانات والطيور المجسمة بهيئة إنسان، الكميرا ( مسخ نافث للنار يتمثل برأس أسد وجسم عنزة وذيل أفعى-م) والمخلوقات الأشباح التي تضع نوعاً من التفسير للغز من الخيال. إن البشر ورفاقهم من المخلوقات كانوا هم مادة القصة، لكن كما كتب "نيكوس كازنتزاكس" مرة (4) :" إن الفن ليس تمثيلاً للجسد بل للقوى التي خلقت الجسد".
هناك العديد من التفسيرات المبرهنة للظواهر الطبيعية الآن. وهناك أسئلة جديدة للوجود تنشأ من بعض الأجوبة- ولهذا السبب لم يجر التخلي تماماً عن صنف الأسطورة على الرغم من أننا نميل إلى اعتبارها مهجورة. ومع أنها تضاءلت إلى حكاية تحكى للأطفال قبل النوم في بعض المجتمعات فهي في أجزاء من العالم تحميها الغابات والصحارى من الثقافة العالمية الكبرى استمرت حية لكي تقدم الفن كنظام للتوسط بين الفرد والوجود.وقد رجعت كدوامة سريعة من الفضاء، "إيكاروس" وقد تجسد في الرجل الوطواط ونوعه، الذي لن يسقط أبداً في محيط الإخفاق ليتعامل مع قوى الجذب للحياة. على أن هذه الأساطير الجديدة لا تهدف إلى التنوير وإعطاء نوع من الإجابات، بل تهدف إلى التلهية وإتاحة مهرب خياليّ للناس الذين لم يعودوا يرغبون في مواجهة حتى مخاطر إجاباتهم عن رعب وجودهم.( ربما من الإيجابي معرفة أن البشر الآن يمتلكون من الوسائل ما يكفي لتدمير كوكبهم بأكمله، الخوف أنهم أصبحوا بهذه الطريقة هم أنفسهم آلهة وأنهم مكلفون بشكل مروع باستمرار وجودهم، وذلك ما جعل من أسطورة الفيلم والقصص الفكاهية المصورة مهرباً من الواقع. قوى الوجود باقية وهي لا تزال تنال اهتمام الكاتب اليوم، بغض النظر عن صانع الأسطورة الشعبية المعاصر، مثلما حاولت أن تناله الأسطورة في شكلها القديم.
كيفية تعامل الكتـّاب مع هذا الأمر الشاغل واستمرارهم في تجريبه أصبح ، أكثر ربما من أي وقت مضى، موضوعاً لدارسي الأدب. إن الكاتب بالعلاقة مع طبيعة الحقيقة الممكن إدراكها وما هو وراءها – الحقيقة التي لا تدرك- هو أساس كل تلك الدراسات، مهما يكن تصنيف المفاهيم الناتجة، ومهما تكن الملفات المصغرة المصنفة التي يجمعها الكاتب من أجل سجلات التواريخ الأدبية. تنشأ الحقيقة من عدد من العناصر والكيانات، المرئية واللامرئية، المعبر عنها، أو المتروكة بلا تعبير من أجل استراحة قصيرة للعقل. لكن من خلال ما عدّ تحليلاً نفسياً عتيقاً للحداثة وما بعد الحداثة، للبنيوية وما بعد البنيوية، فإن الدراسات الأدبية كلها تهدف إلى الغرض نفسه: أن تثبت تجانساً ما ( وما هو التجانس إن لم يكن المبدأ المختفي داخل اللغز؟) وإن تُميّز بوضوح من خلال علم المنهج فهم الكاتب لقوى الوجود. غير أن الحياة نفسها مقامرة ، فالأحوال والمستويات المختلفة للوعي تسحب الوجود وتشكّله بهذه الطريقة أو تلك . لا توجد حالة خالصة للوجود، وبالنتيجة  لا يوجد نص نقي، نص "حقيقي" يجسد المقامرة دائماً. ولا شك أنه لا يمكن لأي منهج نقدي أن يبلغه، مهما تكن المحاولة شائقة. يكون تفكيك النص من ناحية تناقضاً لأن التفكيك هو إعادة بناء القطع المفككة، كما يفعل "بارت" (5) بصورة رائعة ويعترف في تحليله الدلالي واللغوي لقصة "بلزاك" "سارازين". لهذا ينتهي الدارسون الأدبيون إلى أن يصبحوا أشبه بالقصاصين أيضاً.
هل هناك طريقة أخرى غير الفن لبلوغ فهم الوجود ؟ الكتاب أنفسهم لا يحللون ما يكتبون، والتحليل يعني النظر إلى الأسفل عند العبور على حبل متوتر في واد عميق. نقول هذا لا لنجعل عملية الكتابة يلفها الغموض، لكن لصنع صورة عن التركيز الداخلي الشديد الذي لا بدّ أن يمتلكه الكاتب كي يعبر هوة المقامرة ويجعلها مثله الخاص، كمستكشف يغرز علـماً. "حافز الفرح الوحيد" الداخلي  لـ"ييتس" في رحلة الطيار المعتزل و "جماله الرهيب" الناشئ من تمرده الواسع يتعارضان ويتفقان في الوقت نفسه. "الرابط الوحيد" المتواضع لـ أ.م. فورستر؛ "الصمت ، المكر، المنفى" القضايا الخادعة التي اختارها جويس؛ ومثال أكثر معاصرة: متاهة "غابرييل غارثيا ماركيث" وفيها السلطة على الآخرين المتمثلة في شخص "سيمون بوليفار" تؤدي إلى هيمنة السلطة الحصينة والوحيدة ،الموت- هذه هي بعض الأمثلة لطرق الكاتب المختلفة والمستمرة في الاقتراب من الوجود عن طريق الكلمة. ويأمل الكاتب مهما تكن قيمته أن يؤدي دور شعلة واهنة من النور فقط- والأندر أن يكون شعلة وهاجة من خلال الموهبة- داخل المتاهة الدامية لكن الجميلة للتجربة الإنسانية والوجود.
أعطى "أنتوني بيرجز" (6) في إحدى المرات تعريفاً موجزاً للأدب كونه "تحرياً جمالياً للعالم"؛ أود أن أقول أن الكتابة تبدأ من هناك فقط، لاستكشاف المزيد مما ورائه، و مع ذلك تستطيع الوسائل الجمالية أن تعبر عنه فقط.
كيف أصبح الكاتب هكذا، وقد أعطي الكلمة؟ لا أعلم أن كانت بداياتي تمتلك أهمية خاصة. لا شكّ أن فيها الكثير مما تشترك به مع بدايات الآخرين، وقد جرى وصفها كثيراً جداً سابقاً نتيجة لهذا الاجتماع السنوي الذي يقف الكاتب قبالته. وفيما يتعلق بي لقد قلت أنه لن يوجد شيء واقعي أكتبه أو أقوله ويكون صادقاً  كصدق رواياتي. فالحياة والآراء تختلف عن المؤلفات لأنها في حالة توتر بين الابتعاد والتورط حيث أن الخيال ينقلهما معاً. دعوني أعط وصفاً مصغراً عن نفسي.
ما أفترضه أني سأدعى كاتبة طبيعية. لم اتخذ أي قرار لأكون كاتبة، ولم أتوقع في البداية أن أكسب العيش بعد أن أكون مقروءة. كتبت كطفلة بدافع بهجة إدراك الحياة من خلال أحاسيسي – مظهر الأشياء ورائحتها والشعور بها- وسرعان ما عثرت على بعض التنوير والعزاء والبهجة المصاغة بالكلمة المكتوبة من العواطف  التي تبلورت فأربكتني وأغضبتني. توجد حكاية صغيرة لـ"كافكا" تجري هكذا مجرى المثل: "لدي ثلاثة كلاب : "احمله" و "امسكه" و "بعد اليوم أبداً"، "احمله" و "امسكه" كلبان صغيران عاديان من سلالة "السكيبركي" ولا أحد سيلاحظهما إن كانا وحيدين. لكن يوجد أيضاً "بعد اليوم أبداً". وهو  كلب مهجن من السلالة "الدنمركية العظيمة" وله مظهر لم يوجد له مثيل عبر قرون من السلالات المنتجة. "بعد اليوم أبداً" غجري". في مدينة صغيرة في جنوب أفريقيا معروفة بتعدين الذهب حيث نشأت، كنت  الكلب المهجن "بعد اليوم أبداً" ( مع أنه نادراً ما وصفوني بالدانمركية العظيمة) الذي لا يمكن أن نستشف منه الميزات المقبولة لناس المدينة. كنت الغجرية أتعامل بتلكؤ مع كلمات مستخدمة وأصلح جهودي الخاصة في الكتابة عن طريق التعلم مما أقرأ. لأن المدرسة كانت مكتبتي المحلية. ولأسمّي فقط بضعة من الذين أدين لهم بوجودي ككاتبة، كان "بروست" و "تشيخوف" و"دوستويفسكي" أساتذتي. نعم، في تلك الفترة من حياتي كنت الشاهدة على نظرية أن الكتب تؤلـف من الكتب الأخرى.. لكنني لم أبق هكذا طويلاً، ولا اعتقد بشيء يمكن أن يبقى كامناً في الكاتب.
مع فترة المراهقة يأتي الاتصال الأول بالحافز الجنسي. وأغلب الأطفال منذ ذلك الحين تكون قدرة خيالهم المعلنة في اللعب مستغرقة في بؤرة أحلام اليقظة المتعلقة بالرغبة والحب. لكن لأولئك الذين يريدون أن يصبحوا فنانين في نوع واحد أو آخر فإن الأزمة الحياتية الأولى بعد الولادة تفعل شيئاً آخر أيضاً: يكتسب الخيال بعداً ويتوسع عن طريق الخضوع الذاتي للعواطف الجديدة المضطربة. هناك مدركات حسية جديدة. فتبدأ قدرة الكاتب على الدخول في أنماط حياتية أخرى وتكون عملية الابتعاد والتورط قد حصلت.
لقد كنت أوجه نفسي بجهل في موضوع الوجود، كما في قصصي الأولى، سواء كان هناك تأمل حول الموت والقتل بالرغبة الملحة في إطلاق رصاصة الرحمة على حمامة تطاردها قطة أو كان هناك رعب مذهل من العنصرية ووعي مبكر بها جاءا في أثناء سيري إلى المدرسة، حين مررت في طريقي بأصحاب المتاجر، كانوا أنفسهم مهاجرين من شرق أوربا وبقوا في المرتبة الأدنى في المقياس الاجتماعي الاستعماري الإنكليزي للبيض في مدينة التعدين، و أولئك الذين يضعهم مجتمعهم الاستعماري في أدنى مرتبة بين الكل تقريباً وينتقص منهم حتى يعدهم غير آدميين-عمال التعدين السود الذين كانوا زبائن للمتاجر. و بعد سنوات عدة فقط أصبحتُ أدرك أني لو كنت طفلة من تلك الفئة –السود- فلن أصبح كاتبة أبداً، لأن المكتبة التي أتاحت لي فرصة التعلم  لم تكن مفتوحة لأي طفل أسود ولأنّ تعليمي الأساس كان ناقصاً في أحسن الأحوال.
وبتوجيه الكاتب نفسه نحو الآخرين تبدأ المرحلة التالية لتطوره. أن أنشر من أجل أي شخص يود قراءة ما كتبته. ذلك هو افتراضي الطبيعي البريء عما كان يعني النشر، ولم يتغير، ذلك ما يعني لي اليوم على الرغم من إدراكي أن أغلب الناس يرفضون التصديق أن الكاتب لا يضع في ذهنه جمهوراً محدداً. وإدراكي الآخر : هو الإغراءات، الواعية وغير الواعية، التي تستدرج الكاتب إلى النظر بطرف عينه إلى من سينزعج، ومن سيستحسن ما هو موجود على الصفحة – الإغراء الذي، مثل النظرة التائهة لـ "يوريديسي" (زوجة "أورفيوس" الجميلة-م)، سوف تؤدي بالكاتب إلى الرجوع إلى ظلال موهبة محطمة.
ليس البديل لعن البرج العاجي، وهو مدمر آخر للإبداع. قال بورخس مرة أنه كان يكتب من أجل أصدقائه كي يقضي وقت فراغه. اعتقد أن ذلك كان إجابة غاضبة غير مهذبة على السؤال الأحمق-الذي كثيراً ما يكون اتهاماً- " إلى من تكتب؟" تماماً مثل نصيحة "سارتر" أن هناك أوقاتاً يجب أن يتوقف فيها الكاتب عن الكتابة وأن يتصرف مع الوجود بطريقة أخرى، وقد قدمها في حالة يأس من نزاع لم يتم حسمه بين محنة الظلم في العالم ومعرفة كيفية بذل أقصى جهد في الكتابة. كان "بورخس" و "سارتر" يقفان على طرفين مختلفين تماماً بشـأن إنكار غاية الأدب الاجتماعية، كانا بالتأكيد مدركين تماماً أن له دوراً اجتماعياً ضمنياً غير قابل للتغير في استكشاف حالة الكائن التي منها تشتق كل الأدوار الأخرى، الشخصية بين الأصدقاء والعامة عند تظاهرة الاحتجاج. لم يكتب "بورخس" من أجل أصدقائه لأنه نشر واستقبلنا نحن مؤلفاته الوفيرة. ولم يتوقف "سارتر" عن الكتابة على الرغم من أنه وقف عند المتاريس في تظاهرات عام 1968.
 لكن مع ذلك تزعج الكاتب مسألة: إلى من يكتب ؟ وهي بمثابة علبة صفيح مربوطة بذيل كل عمل منشور. وهي أساساً تثير الاستدلال على التحيز مدحاً أو ذماً. في هذا السياق كان "كامو" أفضل من عالج ذلك فقال أنه يحب الناس المتحيزين أكثر من الأدبيات المتحيزة. " أما أن يخدم الإنسان أخاه الإنسان تماماً أو ألا يخدمه أبداً. إذا احتاج إلى الخبز والعدالة وإذا وجب عمل ما ينبغي عمله لأداء هذه الحاجة فإنه يحتاج إلى جمال نقي أيضاً هو خبز قلبه". لهذا نادى "كامو" بـ" الشجاعة والمقدرة في عمل الكاتب" وأعاد "ماركيز" تعريف الرواية الرقيقة كما يلي: أفضل طريقة يستطيع الكاتب بها أن يخدم الثورة هي أن يكتب ما في استطاعته.
اعتقد أن تلك العبارتين قد تكونان عقيدتنا نحن معشر الكتاب. وهما لا تحلان النزاعات التي حدثت والتي ستستمر بالحدوث عند الكتاب المعاصرين. لكنهما تعلنان بوضوح إمكانية أمينة بعمل ذلك، وهما يحولان وجه الكاتب بإحكام نحو وجوده لكونه كاتباً و لكونه إنساناً مسؤولاً يتصرف مثل الآخرين في حدود السياق الاجتماعي.
الوجود هنا: في زمان ومكان محددين. ذلك هو الموقف الوجودي بما يتضمنه من معان ٍ أدبية. كتب "جسلاو ميلوش" (10) مرة صائحاً :" ما هو الشعر إذا لم يخدم الأمم أو الشعب؟" وكتب "برشت" (11) عن زمن فيه "يعدّ الحديث عن الأشجار جريمة تقريباً". كان لدى العديد منا مثل هذه الأفكار اليائسة بينما نعيش ونكتب في مثل هذه العصور، وفي مثل هذه الأماكن، ولا معنى لحل "سارتر" في عالم حيث الكتاب كانوا ولا يزالون مراقبين وممنوعين من الكتابة، و أرواحهم كانت وما تزال في خطر غير أنهم لم يتخلوا عن الكلمة وهم يحاولون تهريبها من السجون على قصاصات من الورق. إن حالة الوجود التي نقوم بتحري تطورها العضوي تتضمن مثل هذه التجارب بصورة واسعة. إن أساليبنا على وفق قول "نيكوس كازانتزاكس"(12)ها أن "تتبنى قراراً يتوافق مع الإيقاع المخيف لعصرنا".
لقد رأى بعضنا كتبه تبقى سنوات غير مقروءة في بلداننا بالذات بسبب حظرها، وواصلنا الكتابة. أودع العديد من الكتاب في السجون، وإذا نظرنا إلى أفريقيا وحدها-سوينكا، نغوغي وايثونغو، جاك مابانغي، في أوطانهم، وفي وطني نفسه جنوب أفريقيا، جيرمي كروتين، مونغاني والي سيروته، برايتن برايتنباخ، دينيس بروتس، جاكي سيروكه: وكل هؤلاء أودعوا في السجن بسبب الشجاعة التي أظهروها في حياتهم ومارسوا حقهم كشعراء في الحديث عن الأشجار. العديد من العظماء، من توماس مان إلى جنوا آشبي، الذين طردوا بسبب النزاع السياسي والظلم في بلدان مختلفة  قد تحملوا صدمة المنفى وبعضهم لم يبرأ منها أبداً ككتاب، وبعضهم لم ينج منها مطلقاً. أفكر في كتاب جنوب أفريقيا، كان ثمبا، ألكس لاكوما، نات ناكاسا، تود ماتشيكيزا.وبعض الكتاب وعلى مدى ربع قرن، من "جوزيف روث" وحتى "ميلان كونديرا"، كان عليهم أن ينشروا أعمالاً جديدة أول مرة بلغة أجنبية ليست لغتهم.
ثم في عام 1988 تسارع الإيقاع المرعب لعصرنا في اهتياج لا سابق له، كان الكاتب يستدعى فيه ليقدم الكلمة. وفي الفترة الواسعة للأزمنة الحديثة ومنذ عصر التنوير عانى الكتاب من الازدراء والإدانة وحتى المنفى لأسباب بعيدة عن السياسة وجرّ "فلوبير" إلى المحكمة بتهمة عدم الاحتشام بسبب روايته "مدام بوفاري"، واستدعي "سترندبرغ" للمحكمة بتهمة سب المقدسات في مسرحيته "زواج" وحظرت رواية "عشيق الليدي تشاترلي" للورنس- ولقد كان هناك العديد من الأمثلة فيما يسمى إهانة التقاليد البرجوازية الزائفة. تماماً مثلما كان هناك اتهام بالخيانة للنظم السياسية الدكتاتورية.
أرجع من التهديد الفردي المرعب  إلى أولئك الذين أصبحوا حالة عامة لكتاب هذا القرن في عقده النهائي الختامي. في الأنظمة القمعية في كل مكان- سواء كانت الكتلة السوفيتية، أمريكا اللاتينية، أفريقيا، الصين- فإن أكثر الكتاب المسجونين معزولون بسبب نشاطاتهم كمواطنين كافحوا  من أجل الحرية ضد الظلم المسلط على المجتمع العام الذي ينتمون إليه. وآخرون أدينوا من قبل الأنظمة القمعية لأنهم بذلوا ما بوسعهم لخدمة المجتمع عن طريق الكتابة. و مخاطرتنا الجمالية هذه تصبح مدمرة حين يجري التحري عن الأسرار المخزية لعصورنا بعمق، بالتلاحم الثوري للفنان مع حالة الوجود المعلنة في الحياة التي من حوله. عندئذ لابدّ من أن ثيمات الكاتب وشخصياته تصوغها ضغوط ذلك المجتمع وتشوهاته مثلما يحدد البحر بقوته حياة صياد السمك.
توجد مفارقة. للاحتفاظ بهذا التلاحم لابدّ للكاتب أحياناً أن يخاطر بتهمة الدولة له بالخيانة وبشكوى قوى التحرر من افتقاره الالتزام الأعمى. ومثل أي إنسان لا يستطيع أي كاتب أن ينحني إلى كذبة "التوازن الماني" (بين الخير والشر-م). الشيطان دائماً لديه رصاص في حذاءيه حين يوضع في كفته من الميزان. مع ذلك، ولإعادة صياغة العبارة المأثورة لماركيز بصورة تقريبية التي صرح بها ككاتب ومكافح من أجل الحرية أيضاً، فإن الكاتب يجب أن يكون له الحق في تحري خفايا الأمور كلها لكل من العدو والرفيق المحبوب في السلاح، لأن المحاولة من أجل الحقيقة  تعطي معنى للوجود، المحاولة من اجل الحقيقة فقط تتحرك نحو العدالة مباشرة مثل الولادة العسرة لوحش "ييتس". في الأدب، من الحياة:
نبحث كل منا في وجه الآخر
نقرأ كل نظرة عين
هدرنا حياتنا كثيراً لكي نعمل ذلك.
هذه كلمات شاعر من جنوب أفريقيا ومناضل من أجل الحرية والسلام في وطننا، مونجانه سيروته. (13)
إن الكاتب يخدم الإنسانية ما دام يستعمل الكلمة فقط حتى ضد ولاءاته، ويثق بحالة الوجود، بينما هي تنكشف، وبتعقيدها تمسك في مكان ما بحبل الحقيقة ، قادرة على أن تكون مقيدة معاً،  بصورة متناثرة، في الفن: يثق بحالة الوجود لينتج في مكان ما عبارات مجزأة من الحقيقة، التي هي الكلمة النهائية بين الكلمات، التي لا تغيرها أبداً جهودنا المتعثرة لتهجيها وكتابتها، لا تغيرها أبداً الكذبات، والسفسطة الدلالية والكلمة الملوثة للأغراض العنصرية والجنسية والمحاباة والهيمنة وتمجيد التدمير واللعنات وأغاني المدح.
******
    الهوامش:
"مخطوطة الرب" من "متاهات وكتابات أخرى" لخورخه لويس بورخس". المترجم مجهول. تحرير: دونالد هـ. ييتس وجيمس أ. كيربي. كلاسيكيات "بنغوين" الحديثة ص17.
ميثولوجيات (أساطير) رولان بارت ترجمة: أنيتا لافرز، دار نشر هيل و وانغ ص131.
تاريخ لينكس كلود ليفي شترواس.
تقرير إلى غريكو : نيكوس كازانتزاكس فيبر و فيبر ص 150.
س/ز  : رولان بارت ترجمة : رتشارد ميللر دار نشر : جوناثان كيب.
مراجعات جريدة "لندن أوبزرفر" 19/4/81 أنتوني بيرجز
"دفتر الملاحظات الثالث من قطع الثمن" من مجموعة "تحضيرات الزفاف في الريف" فرانز كافكا. طبعة محدودة. سيكر واربرغ
شهادات رسمية 1942-1945 البير كامو
غابرييل غارسيا ماركيز مقابلة. ملاحظاتي لم تعط المنشور ولا التاريخ.
"تكريس" من قصائد مختارة لـ"جسلاو ميلوش" مطبعة "إيكو"
"إلى الذرية" من قصائد مختارة إلى "بيرتولد برشت" ترجمة: هـ. ر. هيز
" تقرير إلى غريكو" نيكوس كازنتازاكس" فيبر وفيبر
حكاية قاسية